عين القضاة

مقدمة 63

شكوى الغريب عن الأوطان إلى علماء البلدان

كل شئ ؛ ولولا معيته مع كل شئ ، لما بقي في الوجود موجود . والموجودات في حصولها منه لها ترتيب : فبعضها متقدم كالمفرد ، وبعضها متأخر كالمركب . هذا إذا نظرنا بنظر العقل صحيح ، فإن نظرنا بنظر المعرفة فهو خطأ ؛ والعقل لا يدرك حقيقة ذلك أصلا ؛ فتراه إذا سمع أمثال ذلك يفور فائرة ؛ ويثور ثائرة ويقول : الشئ الواحد كيف يكون صحيحا وخطأ ؟ وعليك ان تسكن فورته بهذا المثال العامي إن سكنت به ، وإلّا فدونك وتكذيبه والانكار عليه ما دمت أسيرا في عالم العقل محبوسا في مضيقه . وهذا المثال العامي هو أن الصبى إذا حكم على شخصين مثلا بأن أحدهما أقرب اليه من الآخر ، فقال له بعض البالغين من أهل التحقيق : حكمك هذا صادق إذا نظرت بنظر الحس ، فأما إذا نظرت بنظر العقل علمت أن حكمك خطأ ؛ فان الأقرب في نظر الحس هو الأبعد في نظر العقل . فإن قول القائل صحيح ، ونظر الصبى صحيح عند العاقل ، وتكذيبه للعاقل في دعواه خطأ . وهذا التكذيب ضروري له لا يتمكن من اعتقاد غيره ، وطريق تفهيمه مسدود على العاقل . فإذا لا بدّ من بيان صدور الموجودات من القدرة الأزلية ، بطريق يمكن للعقل ادراكه ، وإن كان ذلك خطأ في نظر العارف . وقد أكثر في بيانه النظّار ؛ وحاصلهم فيه يرجع إلى ظنون يرجمونها . والحق في ذلك على ما يلوح لعقولنا أن يقال : أن اللّه - عز وجل - فاض منه الوجود أولا على الموجود الأول ، وهو أقرب الملائكة اليه وأقرب الموجودات كلها في نظر العقل ؛ ويشبه أن يكون الروح المذكور في قوله تعالى : « يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا »